من القربات في رمضان: حمد الله على نعمه


 


من القربات في رمضان:

حمد الله على نعمه

 

كم من غارق في نعم الله لا يعطيها انتباهه، فلا تراه إلا شاكيًا متذمرًا من أمور قد تبدو تافهة، أو من نقص في الكماليات وعنده من النعم أعظمها وأفضلها، فدينه خير دين، وصحته مكتملة، ولديه زوجة وذرية ومسكن وعمل ومال، ثم تراه يتذمر لأجل أشياء ثانوية يُستغنى عنها بسهولة، وتلك النظرة المتذمرة تحرمنا أن ننسب للشاكرين، ولو كنا نحمد الله مئات المرات في كل يوم.

 

فالله جل جلاله خلقنا ورزقنا وهدانا، وأنعم علينا وتفضَّل بالكثير من النعم، وقد أمرنا بالشكر على نعمه تلك في آيات كثيرة من القرآن الكريم، ولقد فوجئت والله من كثرة الآيات التي وردت في كتاب الله لتقول لنا: اذكروا نعمة الله حين حاولت جمع آيات الشكر، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ [البقرة: 40]، وقال جل جلاله في سورة آل عمران: ﴿ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ ﴾، وقال جل في علاه في سورة المائدة: ﴿ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ ... ﴾، وقال جل جلاله في سورة الأعراف: ﴿ فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: 69]، وقال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ.... ﴾، وقال جل في علاه في سورة النحل: ﴿ وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾، وقال جل جلاله في سورة الأحزاب: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ... ﴾، وقال جل في علاه في سورة فاطر: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾، وفي سورة الزخرف: ﴿ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾ [الزخرف: 13]

 

• هذا كله بخلاف الآيات التي وردت تحضنا على الشكر وتدعونا له:

ففي سورة البقرة: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ﴾ سورة البقرة، وفيها أيضًا: ﴿ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾، أو تلك التي تذم من لا يشكر الله: ﴿ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ﴾سورة البقرة،﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ سورة غافر، وقال تعالى في سورة المؤمنون: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ﴾، وقال تعالى في سورة الملك: ﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ﴾.

 

بخلاف الآيات التي تجعل من وظيفة الشيطان العظمى من دون كل الوظائف ألا يجعلنا من الشاكرين، وكأنه لو نجح في هذه، فقد نجحت المهمة وهلك بنو آدم: ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾ [الأعراف: 16، 17].

 

بل إن التقوى التي كنت أظن أنها هدف الأهداف وغاية الغايات صارت بنفسها وسيلة للشكر، فكأنه فوقها، وكأنها ما وجدت إلا لأجله فحسب، قال تعالى: ﴿ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ سورة آل عمران، بل إنها ما يريده الله منا حقًّا، قال تعالى: ﴿ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾  [المائدة: 6]، وهو ما يرضاه الله لنا قال تعالى: ﴿ إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ... ﴾ سورة الزمر.

 

• وأما عن المعنى الحقيقي للشكر:

فثلاث: أن تكون قلوبنا شاكرة لله لنعمه علينا، وأن يلهج لساننا بحمده وشكره والثناء عليه، وأن نستخدم تلك النعم في طاعته، لكن أكثرنا للأسف يكتفي بقول الحمد لله، ويغفل عن الأمرين الأكثر أهمية في موضوع الشكر، ألا وهما دور العمل فيه، ودور القلب كذلك، فنجد أكثر الناس تستخدم نعمه في معصيته، فمن وهبه الله مالا أنفقه على الملذات والمعاصي، ومن وهبها الله جمالًا استخدمته في الفتنة والإغراء وإفساد المجتمع، ومن وهبه الله فتوة وشبابًا وقوة، ضيَّعها بالتدخين أو المخدرات أو الخمور، أو تعالى بها على خلق الله يؤذيهم، ومن رزقه الله عينًا تبصر قلَّبها في المحرمات، وتتبع بها العورات في الشوارع والأسواق وفي الصور والمسلسلات والأفلام والمواقع الفاسدة، ومن رزقه الله أذنًا تسمع استمع بها للغناء والغيبة، ومن رزقه الله لسانًا ينطق استعمله في الغيبة والكذب وفحش القول، ومن رزقه الله يدًا ليقضي بها حاجاته استعملها في أخذ المال بغير حقه أو لمس المحرمات، أو إيذاء الغير والبطش بهم، ومن رزقه الله رجلًا تمشي مشى بها للمعاصي، ومن رزقه الله عقلًا يفكر استعمله في التخطيط للحصول على المعاصي، وكيف يتصيد امرأة لتقع في غرامه، أو كيف يكسب مالًا من وجه غير مشروع، فهل هذا هو شكر النعمة واستخدامها في طاعة الله؟

 

وأما شكر القلب، فمن المؤسف أن نقول أننا على الرغم من أن في قلوبنا شكرًا لله على نعمه علينا، فليس هذا هو المعنى الحقيقي الكافي لشكر القلب على النعم، فالشكر الحقيقي استغراق القلب في رؤية النعم ينسيه التركيز على المشكلات والنواقص، فلا تكون شاكيًا متذمرًا، ومن المؤسف أن هذا المعنى يندر أن نجده على الحقيقة، ذلك الذي تلهيه النعمة عن الشكوى، وأنا والله أخجل إذ أعترف أنني تعلمت المعنى الحقيقي لشكر القلب على نعم الله من كتاب أجنبي كان يتكلم على الصحة النفسية، فعلى الرغم من حرصي الدائم على شكر الله، ومن كثرة الدعاء الذي كنت أطلب فيه من الله أن يجعلني من الشاكرين ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾ [النمل: 19]، ومن أنني كنت أحرص على تذكر النعم الكثيرة التي في حياتي ومحاولة حصر النعم، وعلى الرغم من أنني كنت أذكر الآخرين بنعم الله عليهم لأخرجهم من الضيق والكدر، فبرغم ذلك كله لا أعتقد أنني تعلمت المعني الحقيقي للشكر إلا من هذا الكتاب، وقد ذكرت صاحبة الكتاب أن الامتنان يجب ألا يحتوي ولو على القليل من تذكر النواقص في حياتنا، فبقدر ما نتذكر النواقص ننسى من النعم، وبقدر ما نتذمر من أشياء صغيرة في حياتنا بقدر ما يقل شكرنا على النعم التي في حياتنا، فإذا أردنا أن نشكر حقًّا، فعلينا أن نشعر بالامتنان تجاه كل الأشياء الجميلة التي في حياتنا، وألا نولي ولو القليل من انتباهنا تجاه تلك الأشياء التي تزعجنا أو التي تنقصنا، ومن هنا يأتينا المزيد حقًّا.

 

• وقد جعل الله الشكر باب المزيد:

فعليك أن تدرك وتعي أن هذا الشكر الحقيقي الكامل هو الذي يفتح لك أبواب الخير والزيادة في حياتك من نعم الله عليك، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7]، إنه الشكر في مقابل الكفر والجحود، إنه الشكر في مقابل نسيان النعم والتذمر من المشكلات، إنه الشكر في مقابل التركيز على ما ينقصنا وما نحتاج إليه، إنه الشكر في مقابل مقارنة أنفسنا بغيرنا والنظر لمن هو أفضل منا، إنه الشكر على الموجود في مقابل التطلع لما هو مفقود.

 

• ألفاظ الحمد لها قدر عظيم:

ولأن شكر الله له قدر عظيم في دين الله؛ فإن ألفاظ الحمد التي تذكرنا بنعمة الله علينا وواجب شكره لها فضل عظيم أيضًا، ففي الحديث الصحيح عن رفاعة بن رافع الزرقي رضي الله عنه قال: "كنا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل من ورائه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم؟ قال: أنا، قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول"؛ رواه مالك والبخاري، وأبو داود والنسائي، وفي الحديث الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من القائل كلمة كذا وكذا؟ فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله، فقال: عجبت لها فتحت لها أبواب السماء"، قال ابن عمر فما تركتهن منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك؛ رواه مسلم، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: "أن أم سليم غدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: علمني كلمات أقولهن في صلاتي، فقال: كبري الله عشرًا وسبحيه عشرًا، واحمديه عشرًا، ثم سلي ما شئت"؛ رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن غريب، وفي الحديث الحسن عن مصعب بن سعد عن أبيه رضي الله عنه: "أن أعرابيًّا قال للنبي صلى الله عليه وسلم علمني دعاء لعل الله أن ينفعني به، قال: قل: اللهم لك الحمد كله، وإليك يرجع الأمر كله"؛ رواه البيهقي، وفي الحديث الصحيح عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: "رآني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أحرك شفتي، فقال لي: بأي شيء تحرك شفتيك يا أبا أمامة؟ فقلت: أذكر الله يا رسول الله، فقال: ألا أخبرك بأكثر وأفضل من ذكرك بالليل والنهار، قلت: بلى يا رسول الله، قال: تقول: سبحان الله عدد ما خلق، سبحان الله ملء ما خلق، سبحان الله عدد ما في الأرض، سبحان الله ملء ما في الأرض والسماء، سبحان الله عدد ما أحصى كتابه، سبحان الله ملء ما أحصى كتابه، سبحان الله عدد كل شيء، سبحان الله ملء كل شيء، الحمد لله عدد ما خلق، والحمد لله ملء ما خلق، والحمد لله عدد ما في الأرض والسماء، والحمد لله ملء ما في الأرض والسماء، والحمد لله عدد ما أحصى كتابه، والحمد لله ملء ما أحصى كتابه، والحمد لله عدد كل شيء، والحمد لله ملء كل شيء"؛ رواه أحمد وابن أبي الدنيا واللفظ له، ورواه الطبراني بإسنادين أحدهما حسن ولفظه: "أفلا أخبرك بشيء إذا قلته ثم دأبت الليل والنهار لم تبلغه؟ قلت: بلى، قال: تقول الحمد لله عدد ما أحصى كتابه، والحمد لله ملء ما أحصى كتابه، والحمد لله عدد ما أحصى خلقه، والحمد لله ملء ما في خلقه، والحمد لله ملء سمواته وأرضه، والحمد لله عدد كل شيء، والحمد لله على كل شيء، وتسبح مثل ذلك، وتكبر مثل ذلك"، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "مر النبي صلى الله عليه وسلم بأبي عياش زيد بن الصامت الزرقي وهو يصلي، وهو يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، يا حنان يا منان يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد سألت الله باسمه الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى"؛ رواه أحمد واللفظ له وابن ماجه، وفي الحديث الحسن عن أنس بن مالك رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال إذا أوى إلى فراشه: الحمد لله الذي كفاني وآواني، والحمد لله الذي أطعمني وسقاني، والحمد لله الذي منَّ عليَّ فأفضل، فقد حمد الله بجميع محامد الخلق كلهم".

 

• ومن شكرك لله أن تستخدم نعمته في طاعته:

فكم من نعمة في يديك تستعملها مئات المرات كل يوم وأنت لا تشعر حتى بوجودها، ولا يشعر بتلك النعمة وروعتها إلا من حُرم حقًّا منها واحتاج لها، كم من مرة تحرك يديك؟ تقضي بها حوائجك؟ تؤدي بها عملك؟ تستغني بها عن الناس؟ تذكر كم من شليل أو مقطوع اليدين يَعجِز حتى أن يحك جلده أو أن ينظف عورته بعد أن يقضي حاجته، ثم تعود لتقلب بها القنوات ولتبحث بها عن المواقع المحرمة أو لتلمس بها المحرمات!


كم من مرة تحرك عينيك في اليوم لترى بها طريقك ولتبصر بها من تحب من أهلك، ولتؤدي بها عملك الذي تكسب منه رزقك؟ تذكر كم من ضرير محروم من رؤية من يحبهم، ومن رؤية طريقه الذي يمشي فيه فيتعثر ويسقط، ويتعرض للأذى، ولا يستطيع أن يرى أعماله ليؤديها ويكسب رزقه، ثم تعود لتقلب عينيك في الحرام ولتستخدمها فيما يجلب لك سخط الملك عليه!

 

كم من مرة تستخدم أذنيك فتسمع بها وتدرك ماحولك؟ كم من مرة تحرك مفاصل جسمك وعظامه وعضلاته بيسر وسهولة؟ كم من مرة تمشي على رجلك من دون أن يمنعك شيء؟ كم من مرة تتنفس من دون عناء، فلا تتألم أو تجد صعوبة في سحب نفسك؟ كم من مرة تحرك رأسك يمينًا ويسارًا على عنق يحمل رأسك بمرونة؟ كم من مرة تحرك أصابعك فتضغط بها الأزرار أو تقلِّب بها الصفحات، أو تحمل بها متاعك؟ كم من مرة تتقلب على ظهرك يمينًا ويسارًا وأنت نائم، فتجد حركتك تسير بمرونة ويسر؟ كم من مرة تشم الروائح الطيبة، فتبهجك أو تشم الروائح الكريهة، فتنبهك لموضع خطر قد يعرض حياتك للموت؟ كم من مرة تتذوق طعامك بلسانك لتدرك أطيب هو أم خبيث؟ وكم من مرة تمضغ طعامك بيسر وسهولة بأسنان لا تمل من العمل ولثة قوية؟ كم من مرة تبتلع طعامك فلا يمنعك التهاب الحلق أو البلعوم؟ كم من مرة تهضم ما أكلته بكل يسر وسهولة من دون ألم بطن أو انتفاخ بها، أو طول مكث للطعام بها؟ وكم من مرة تخرج الفضلات والأذى عن جسمك من دون معاناة أو صعوبات؟ كم من مرة تعمل أعضاؤك الداخلية من دون أن تشعر حتى بوجودها، فيؤدي كل دوره وأنت تغط في نومك أو حتى تعصي ربك، فتعمل كلاك وكبدك ونبضات قلبك، وتوزيع الدم وتوزيع الأكسجين، وهضم الطعام وإخراج السموم؟ وكم وكم نتقلب والله في نعم الله ونحن حتى لا نشعر بها، فإذا أصاب أحدها عطل يسير ليخبرك أنك أسأت استخدامه بطريقة تؤذيه تذمرت واشتكيت، ونسيت كم من السنوات مرت وهو يعمل في سلام!

 

فاحذَر أن تخاطر باستخدام النعم في معصية ربك فيسلبك إياها، فتند حيث لا ينفع الندم.


• ومن شكرك لله أن تنظر لأهل البلاء وتحمد الله على العافية:

فإذا رأيت أهل البلاء، فتذكر النعمة التي لديك، وقل الحمد لله الذي عافاني، فعن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من رأى صاحب بلاء فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا، لم يصبه ذلك البلاء"؛ رواه الترمذي، ركِّز على نعمة الله عليك، ولا تقارن نفسك بمن هو أفضل منك، فإن أردت المقارنة فقارن نفسك بمن هو أقل منك ومن حرم من النعمة التي لديك لترى نعم الله عليك فتشكرها، ففي الحديث: "انظر إلى من هو تحتك ولا تنظر إلى ما هو فوقك؛ فإنه أجدر ألا تزدري نعمة الله عندك"، وتذكر أن تستخدمها في طاعته بدل أن ينتزعها منك انتزاعًا وأنت ظالم لنفسك عاص لربك.

 

• ركِّز على النعم التي في يديك لتعلم كم أنت محظوظ بكل هذه النعم:

فحتى وإن بدت النعم التي لديك يسيرة في عينيك؛ إلا أن الحرمان من واحدة منها كفيل بأن يكدِّر عليك عيشك وينغِّص حياتك بأكملها، ومن اكتملت له تلك النعم فقد اكتملت دنياه، فليحمد من وهبه إياها، فعن عبد الله بن محصن الخطمي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها"؛ رواه الترمذي.

 

• قل بقلبك ولسانك الحمد لله، فإنها كلمة حمد وشكر وذكر تملأ الميزان:

فمن عجيب الأحاديث التي وردت في فضل الحمد ذلك الحديث الصحيح عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها"؛ رواه مسلم، فأي شيء أعظم من كلمة تملأ الميزان على سعته وضخامته؟ وأي فضل مخبوء في تلك الكلمة العظيمة يجعلها تقوم مثل هذا المقام؟


بل إنها لعظم فضلها قامت مقام الذكر والدعاء معًا، بل إنها قد جاوزت مجرد الدعاء لتصير أفضله، ففي الحديث الحسن عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله"؛ رواه ابن ماجه، فكأنك وأنت تحمد الله تطلب منه أن يزيدك من فضله ونعمه، لكنك استعملت أفضل صيغة للدعاء، فيا لهذا الفضل السهل القريب.

 

وكم من أمور يسيرة جلبت رضا الله على العبد؛ فقط لأن الحمد الصادق من القلب اقترن بها فوهبها قوة وأجرًا عظيمًا، ففي الحديث الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها"؛ رواه مسلم.

 

وكم من أمور جلبت لصاحبها المغفرة بسبب حمد الله، فعن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أكل طعامًا ثم قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه"؛ رواه أبو داود وابن ماجه.

 

• وفوق كل ذلك:

لا تنسَ أن أعظم سورة في القرآن الكريم التي نرددها على الأقل سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة هي: ﴿ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فضائل وخصائص شهر رمضان

رمضان أجمل دورة تغيير في حياتك

يا قادما بالتقي في عينك الحب طال