من القربات في رمضان: الاستغفار


 

من القربات في رمضان: الاستغفار

 

الاستغفار من أعظم الأعمال، فهو ذكر ولكنه ذكر يحتوي على توبة وندم، يعمل كأداة تنظيف تحل في كل مكان كنا فيه لتمسح الآثار، كممحاة بعد الفرشاة تزيل ما علق من الألوان والخطوط المعوجة عن المسار، وتبقي فقط ما كان على المسار الصحيح، أو كمنشفة تحل في المكان الذي عملنا به فتمسح كل الآثار الملطخة لتبقي المكان نظيفًا، إنه يعمل كذلك على مستوى العقل والقلب، وأيضًا يتجاوزهما ليرقى إلى مسح ما علق من آثار بصحائفنا، فمع أننا لا يمكننا أن نلمسها بأيدينا الآن حتى نتلقاها يوم القيامة، إلا أننا يمكننا أن نمحوَ منها الآن ما لوثها وما سوَّدها بكثرة الاستغفار، فياله من عمل لمن قدَّر قيمته ولزمه، ففي صحيح أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَن لزم الاستغفار جعل اللّه له من كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كلِّ همٍّ فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب".

 

فسعادتك إذًا مرهونة باستغفارك قال تعالى: ﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ [هود: 3].

 

هل تعلم لم يحقق الاستغفار السعادة في حياتنا؟

إنه يحققها لنا؛ لأنه يمحو الذنوب، والذنوب هي سبب كل مشاكلنا، فإن زال السبب بقي الخير لنا فحسب، ذلك أن ذنوبنا هي أكثر ما يشقينا، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30]، وفي الحديث الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة، فإن هو نزع واستغفر صقلت، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله تعالى: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [المطففين: 14]؛ رواه الترمذي.

 

وقد جعل الله الاستغفار باب مغفرة ونجاة من الذنوب:

ففي الحديث الصحيح عن علي رضي الله عنه قال: "كنت رجلًا إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا نفعني الله به بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته فإذا حلف لي صدقته، وقال وحدثني أبو بكر رضي الله عنه وصدق أبو بكر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من عبد يذنب ذنبًا فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله، إلا غفر له، ثم قرأ هذه الآية: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ .. ﴾ إلى آخر الآية"؛ رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وفي الحديث الحسن عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام فصلى ركعتين أو أربعًا - يشك سهل - يُحسن فيهن الذكر والخشوع، ثم استغفر الله، غفر له"؛ رواه أحمد بإسناد حسن.

 

وقد حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاستغفار كممحاة للذنوب:

فعن أنس رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله: يا بن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرتُ لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة"؛ رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، وفي الحديث الصحيح عن عبد بن بسر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "طوبى لمن وجد في صحيفته استغفار كثير"؛ رواه ابن ماجه بإسناد صحيح والبيهقي، وعن الزبير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أحبَّ أن تسرَّه صحيفته، فليكثر فيها من الاستغفار"؛ رواه البيهقي بإسناد لا بأس به.

 

وقد فُضِّلت بعض صيغ الاستغفار على بعض:

ففي الحديث الصحيح عن شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها موقنا بها حين يمسي فمات من ليلته دخل الجنة، ومن قالها موقنًا بها حتى يصبح فمات من يومه دخل الجنة"؛ رواه البخاري والنسائي، وعن بلال بن يسار بن زيد رضي الله عنه قال: حدثني أبي عن جدي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له وإن كان فر من الزحف"؛ رواه أبو داود والترمذي.

 

ومن أعظم صيغ الاستغفار:

تلك الصيغة التي جعلها الله سببًا لتفريج الكروب والنجاة من كل بلية، إنها صيغة ذي النون سيدنا يونس عليه السلام، قال تعالى: ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنبياء: 87، 88]، وفي الحديث الصحيح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوة ذي النون إذ دعاه وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له"؛ رواه الترمذي، فهي تهليل وتسبيح واستغفار وقرآن ودعاء، فمن دعا بها موقنا بالإجابة، وقد انتفيت في حقه موانع الإجابة نالها بإذن الله جل جلاله، ومن دعا بها في كربه فرَّجه الله عنه بإذن الله.

 

وقد فهِم سلف الأمة الفضل العظيم للاستغفار، فكانوا ينصحون به من جاء يشكوهم من ضيق الحال: "فقد جاء رجل إلى الحسن البصري فقال له: إن السماء لم تمطر!! فقال له الحسن: استغفر الله، ثم جاءه آخر فقال له: أشكوا الفقر! فقال له: استغفر الله، ثم جاءه ثالث فقال له: امرأتي عاقر لا تلد، فقال له: استغفر الله، ثم جاءه بعد ذلك من قال له: أجدبت الأرض فلم تنبت، فقال له: استغفر الله، فقال الحاضرون للحسن البصري: عجبنا لك، أو كلما جاءك شاكٍ قلت له استغفر الله؟ فقال لهم: أو ما قرأتم قوله تعالى: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا ﴾ سورة نوح 10 – 12.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فضائل وخصائص شهر رمضان

رمضان أجمل دورة تغيير في حياتك

يا قادما بالتقي في عينك الحب طال