الحرص على صلاة الجماعة للرجال

 





الحرص على صلاة الجماعة للرجال

 


إن الله سبحانه وتعالى إذ أمر ببناء المساجد لم يأمر بها لتُترك فارغة ويصلي الرجال في بيوتهم كالنساء، وإنما بُنيت لتُعمر بذكر الله، قال تعالى في سورة النور: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾، وقد أمر الله عباده بأخذ الزينة لصلاة الجماعة، وليس فقط المحافظة عليها، فقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ... ﴾.




وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بها ودعا إليها وحافظ عليها تمامًا:


فكانت سنة قولية وفعلية وأمرًا وجب على رجال الأمة طاعته، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه ما لم يحدث: اللهم صل عليه اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة"؛ رواه البخاري، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لو يَعلم الناسُ ما في النِّداء والصفِّ الأول، ثمَّ لم يَجدوا إلَّا أن يَستهموا عليه لاستهموا، ولو يَعلمون ما في التَّهجير لاستبَقوا إليه، ولو يَعلمون ما في العتمة والصبح لأتَوهما ولو حبوًا"؛ رواه البخاري ومسلم.




وقد بشَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يحافظ على صلاة الجماعة ببشارات عديدة:


ففي الحديث عن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله"؛ رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، ورواه أيضًا من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه وزاد فيه: "فلا تخفروا الله في عهده، فمن قتله طلبه الله حتى يكبه في النار على وجهه"؛ رواه مسلم، قال عمر بن الخطاب: لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إليَّ من أن أقوم ليلة؛ رواه مالك، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مشى في ظلمة الليل إلى المساجد لقي الله عز وجل بنور يوم القيامة"؛ رواه الطبراني، وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بشِّر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة"؛ رواه ابن ماجه، وفي الحديث الحسن: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى، كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق"؛ رواه الترمذي.


 


وقد رغَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرص على الصف الأول:


ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا" رواه البخاري ومسلم، وفي الحديث الحسن عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول أو الصفوف الأول"؛ رواه أحمد.




وقد توعَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ترك صلاة الجماعة بدون عذر:


ففي الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له، إلا من عذر"؛ رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة، إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصيةَ"؛ رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لينتهين رجال عن ترك الجماعة أو لأحرقنَّ بيوتهم"؛ رواه ابن ماجه، وعن ابن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سمع النداء فارغًا صحيحًا فلم يجب، فلا صلاة له"؛ رواه الحاكم.


 


وروى أبو داود وأبو حاتم ابن حبان في صحيحه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر، قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلاها".




وترك صلاة الجماعة من دلائل نفاق صاحبها:


ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حُزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرِّق عليهم بيوتهم بالنار"؛ رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ناسًا في بعض الصلوات فقال: لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس، ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها، فآمر بهم فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم، ولو علم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا لشهدها"؛ يعني صلاة العشاء، وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لينتهين رجال عن ترك الجماعة أو لأحرقن بيوتهم"؛ رواه ابن ماجه، وللإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية، أقمت صلاة العشاء، وأمرت فتياني يُحرقون ما في البيوت بالنار"، فلِم يحرق بيوتهم إن كان الأمر مجرد سنة من تركها لا يعاقبه الله؟ أفلا يعاقبه الله ثم يحرق الرسول بيته مع حرمة البيت والمال والنفوس لأجل شيء ليس واجبًا؟




ولو كان بصلاة المنزل رخصة للرجال لأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للضرير أن يصلي بالمنزل:


فعن عمرو بن أم مكتوم رضي الله عنه قال: "قلت يا رسول الله أنا ضرير شاسع الدار ولي قائد لا يلاومني، فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: ما أجد لك رخصة" رواه أحمد وأبو داود، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له يصلي في بيته فرخص له، فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب"؛ رواه مسلم والنسائي، فلو حل تركها لحل للضرير، وليس ضريرًا فحسب، بل إنه لا يجد من يقوده للمسجد، فكم سيتعرض في طريقه للسقوط أو الاصطدام أو حتى الضياع؟ ومع كل هذا لم يبح رسول الله صلى الله عليه وسلم له أن يصلي في بيته كالنساء، فما بال رجال اليوم حباهم الله بالسمع والأبصار والأرجل الصحيحة والقوة في البدن ثم يجلسون في بيوتهم لا يشهدون صلاة الجماعة مع المسلمين؟!! ومن أي دليل استباحوا جواز ذلك؟!




غير أنك إذا صليت الفريضة بالمسجد فدع صلاة النافلة لبيتك:


ففي الحديث الصحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده، فليجعل لبيته نصيبًا من صلات؛ فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرًا"؛ رواه مسلم، وفي الحديث الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا"؛ رواه البخاري ومسلم.


 


وأما فيما يخص صلاة النساء في المساجد:


فعلى عكس الرجل، فصلاة المرأة في بيتها خير لها من صلاتها بالمسجد، ذلك لما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المرأة عورة، وإنها إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان، وإنها لا تكون أقرب إلى الله منها في قعر بيتها"؛ رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح.




وقد أكَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهمية لزوم المرأة بيتها حتى عند الصلاة:


ففي الحديث الحسن لغيره عن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي رضي الله عنهما: "أنها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك، قال: قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي، قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه، وكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل"؛ رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما.




ومع ذلك فلم يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء من ارتياد المساجد، ولكن بشروط:


فقد نها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن منعهن، ولكنه مع ذلك قد أكَّد أن الفضل لهن في البيوت، ففي حديث صحيح لغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهنَّ"؛ رواه أبو داود، فليس لولي المرأة أن يمنعها، ولكن بشرط أن تتقيد النساء بالعفة في الملبس والسلوك، ففي الحديث: "لا تمنعوا إماء الله مساجدَ الله، ولكن ليخرجن وهنَّ تفلات"؛ صحيح أبي داود، وعليه فللمرأة أن تخرج للمسجد إذا التزمت العفة وكانت محتشمة في ثيابها لا تبرز عورة، ولا تتبرج بزينة ولا تتعطر.




وقد أكَّد رسولنا صلى الله عليه وسلم على أهمية عدم الاختلاط بين الرجال والنساء حتى في الصلاة:


ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة أيضًا رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها"؛ رواه مسلم.




ومنع هذا الاختلاط في الطريق أيضًا، فعن أبي أسيد الأنصاري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء: "استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق"، فكانت المرأة تلتصق بالجدار، حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به؛ رواه أبو داود.


هيام محمود

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فضائل وخصائص شهر رمضان

رمضان أجمل دورة تغيير في حياتك

يا قادما بالتقي في عينك الحب طال