من القربات في رمضان: ذكر الله









من القربات في رمضان: ذكر الله

 


وقد أمرنا الله جل جلاله بذكره في كتابه الكريم: قال تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ﴾ [سورة البقرة: 152]، وتجاوز الأمر بالذكر للأمر بالذكر الكثير: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [سورة الأحزاب: 41، 42]، وقد أثنى جل جلاله على الذاكرين الله في كل أحوالهم: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ ﴾ [سورة آل عمران 191].


 



ومن فضل الذكر الكثير أنه سبب يسير لأن يكون العبد من السابقين:


فعلى الرغم من يُسره وسهولته إلا أنه قد يرفع درجة صاحبه في الآخرة رفعة عظيمة، ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له جمدان، فقال: سيروا هذا جمدان، سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرًا"؛ رواه مسلم واللفظ له.


 



ويعد ذكر الله من أعظم الأعمال أجرًا وأثرًا في حياة المؤمنين:


فذكر الله حياة وتركه موت، ففي الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه، مثل الحي والميت"؛ رواه البخاري ومسلم، وفي الحديث الصحيح عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه، مثل الحي والميت"؛ رواه البخاري.


 



ومن فضل الذكر أيضًا أن الذاكر لربه في معيته، كما يحظى بذكر الله له:


ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرَّب إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة"؛ رواه البخاري ومسلم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله تبارك وتعالى: يا بن آدم، إذا ذكرتني خاليًا ذكرتك خاليًا، وإذا ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير من الذين تذكرني فيهم"؛ رواه البزار بإسناد صحيح، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل يقول: أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه"؛ رواه ابن ماجه واللفظ له وابن حبان في صحيحه.


 



ومن فضله أيضًا أنه يجمع كل الخير، ويجمع تحته شرائع الإسلام كلها:


فما من عمل صالح إلا وذكر الله جزءٌ منه، بل هو الجزء الأهم من كل عبادة، فأما الصلاة فقد أسماها الله ذكرًا وأمر بالذكر بعدها، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [سورة الجمعة: 9، 10]، وأما الصيام فإن شهر رمضان هو شهر الذكر كله، فقد أنزل الله فيه الذكر الحكيم، قال جل جلاله في سورة البقرة: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ (185)، وفي الحج: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ سورة البقرة (200)، وفي الجهاد: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ ﴾ سورة الأنفال (245)، وفي الذبح والأكل: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ سورة المائدة (4).


 



فالذكر هو العمل الذي يطوي تحته كل الأعمال:


وهو الذي يغنيك وحده عن الاستكثار من كل الأعمال، فعن عبد الله بن بسر رضي الله عنه أن رجلًا قال: "يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله"؛ رواه الترمذي، فهل بعد هذا اليسر من يسر؟ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عجز منكم عن الليل أن يكابده، وبَخِلَ بالمال أن يُنفقه، وجَبن عن العدو أن يجاهده، فليُكثر ذكرَ الله"؛ رواه الطبراني والبزار واللفظ له.


 



ويعد الذكر هو العمل الأحب إلى الله جل جلاله:


إنه الذكر ذلك العمل العظيم الذي يعد خير الأعمال وأحبها إلى الله وهو الذي يرفع الدرجات، وهو على يسره وتوفره خير من الجهاد ومن الإنفاق على عظمتهما ومشقتهما، ففي الحديث الصحيح عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أُنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوِّكم، فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله"، قال معاذ بن جبل: ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله؛ رواه أحمد.


 


ومن أحب الأعمال كذلك إلى الله أن نعيش على ذكره ونموت عليه، ولن نموت عليه إلا إذا كان هذا ديدننا في الحياة، فعن مالك بن يخامر أن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال لهم: "إن آخر كلام فارقت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قلت: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله"؛ رواه ابن أبي الدنيا والطبراني واللفظ له.


 



ومن أعظم فضل الذكر أنه العمل الأنجى من عذاب الله أيضًا:


فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "إن لكل شيء صقالة، وإن صقالة القلوب ذكر الله، وما من شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولو أن يضرب بسيفه حتى ينقطع"؛ رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي من رواية سعيد بن سنان واللفظ له، وعن جابر رضي الله عنه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما عمل آدمي عملًا أنجى له من العذاب من ذكر الله تعالى، قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع"؛ رواه الطبراني في الصغير والأوسط، ورجالهما رجال الصحيح، وعن ثوبان رضي الله عنه قال: لما نزلت والذين يكنزون الذهب والفضة، قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فقال بعض أصحابه: أنزلت في الذهب والفضة لو علمنا أي المال خير فنتخذه؟ فقال: أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه"؛ رواه الترمذي.


 


وفوق ذلك هو الحصن المنجي من كيد الشيطان:


ففي الحديث الصحيح عن الحارث الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله أوحى إلى يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنَّ، فكأنه أبطأ بهن فأتاه عيسى، فقال: إن الله أمرك بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنَّ، فإما أن تخبرهم وإما أن أخبرهم، فقال: يا أخي لا تفعل، فإني أخاف إن سبقتني بهنَّ أن يخسف بي أو أعذب، قال: فجمع بني إسرائيل ببيت المقدس حتى امتلأ المسجد وقعدوا على الشرفات ثم خطبهم، فقال: إن الله أوحى إليَّ بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن:


• أولاهنَّ لا تشركوا بالله شيئًا، فإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب أو ورق، ثم أسكنه دارًا، فقال: اعمل وارفع إليَّ، فجعل يعمل ويرفع إلى غير سيده، فأيُّكم يرضى أن يكون عبده كذلك، فإن الله خلقكم ورزقكم فلا تشركوا به شيئًا.


 


• وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا، فإن الله يقبل بوجهه إلى وجه عبده ما لم يلتفت.


 


• وأمركم بالصيام، ومثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة مسك، كلهم يحب أن يجد ريحها، وإن الصيام أطيب عند الله من ريح المسك.


 


• وأمركم بالصدقة، ومثل ذلك كمثل رجل أسره العدو، فأوثقوا يده إلى عنقه وقربوه ليضربوا عنقه، فجعل يقول: هل لكم أن أفدي نفسي منكم وجعل يعطي القليل والكثير حتى فدى نفسه.


 


• وأمركم بذكر الله كثيرًا، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعًا في أثره، حتى أتى حصنًا حصينًا، فأحرز نفسه فيه، وكذلك العبد لا ينجو من الشيطان إلا بذكر الله"؛ الحديث رواه الترمذي.


 



وفوق كل ما سبق فالاجتماع في مجالس الذكر هو سبب عظيم لمغفرة الذنوب:


فعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله عز وجل لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم مناد من السماء: أن قوموا مغفورا لكم، قد بُدِّلت سيئاتكم حسنات"؛ رواه أحمد، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفَّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده"؛ رواه مسلم والترمذي وابن ماجه.


 


وقد جعل الله من بعض الأذكار كفارة خاصة للذنوب:


فمن الأذكار المهجورة التي ينساها معظم الناس ذكر كفارة المجلس، ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من جلس مجلسًا كثُر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك"؛ رواه أبو داود والترمذي.


 


ومن أجلِّ الذكر وأعظمه لا إله إلا الله:


ففي الحديث الحسن عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله"؛ رواه ابن ماجه والنسائي، وفي الحديث الصحيح عن عمرو رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقًّا من قلبه فيموت على ذلك إلا حرَّم على النار: لا إله إلا الله" رواه الحاكم، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه"؛ رواه البخاري، وفي الحديث الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما قال عبد لا إله إلا الله قط مخلصًا، إلا فتحت له أبواب السماء، حتى يفضي إلى العرش، ما اجتنبت الكبائر"؛ رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب.


 


وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "من قال حين يأوي إلى فراشه: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، غُفرت له ذنوبه أو خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر"؛ رواه النسائي وابن حبان في صحيحه واللفظ له.


 



فاذكروا الله يذكركم.





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فضائل وخصائص شهر رمضان

رمضان أجمل دورة تغيير في حياتك

يا قادما بالتقي في عينك الحب طال