من القربات في رمضان: بر الوالدين

 



من القربات في رمضان: بر الوالدين

 

من يقرأ القرآن يعلم أن الله لم يجمع حق بشري غير نبيِّه مع حقه جل جلاله إلا حق الولدين، قال تعالى في سورة لقمان: ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾، فأمر بالشكر لهما حتى لو لم يكونا على دين الإسلام، لكنه نهى عن طاعتهما في الكفر والمعاصي، وإن كان قد أمر بحسن صحبتهما حتى لو أمراك بالكفر، وليس فقط إن أمراك به، بل وحتى لو جاهداك لتكفر، فكان طلبهما شاقًّا عليك متعبًا لك، قال تعالى في نفس السورة: ﴿ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾.


وقد جعل الله حق الوالدين عظيمًا:

حتى إن أولادهما مهما فعلوا فلن يفياهما حقهما أبدًا، ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجزي ولدٌ والده إلا أن يجده مملوكًا، فيشتريه فيعتقه"؛ رواه مسلم وأبو داود.


وقد جعل الله رضاه في رضا الوالدين:

فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد"؛رواه الترمذي، ورواه الطبراني من حديث أبي هريرة إلا أنه قال: طاعة الله طاعة الوالد، ومعصية الله معصية الوالد".

وقد جعل الله بر الوالدين من أحب الأعمال إليه بعد الصلاة على وقتها:

ففي الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله"؛ رواه البخاري ومسلم.


وقد جعل الله جزاء البر بهما بركة في العمر والرزق:

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سره أن يمد له في عمره ويزاد في رزقه، فليبر والديه، وليصل رحمه"؛ رواه أحمد، وعن سلمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر"؛ رواه الترمذي.


وقد أولى الله جل جلاله عناية أكبر لبر الأم:

فجعل برها مقدمًا على بر الأب وأعظم منه أجرًا؛ لأنها من تعبت أكثر في الحمل والوضع والإرضاع، ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك"؛ رواه البخاري ومسلم، حتى إن الله جل جلاله قد جعل كفارة الذنوب العظيمة في بر الوالدة، ففي الحديث الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: "إني أذنبت ذنبًا عظيمًا، فهل لي من توبة؟ فقال: هل لك من أم؟ قال: لا، قال: فهل لك من خالة؟ قال: نعم، قال: فبرها"؛ رواه الترمذي.


وقد جعل الله بر الوالدين عملًا ممتدًّا مدى الحياة، فلا ينتهي بموتهما:

بل يمتد البر ليشمل ما بعد موتهما، ففي الحديث الحسن عن أبي بردة قال: "قدمت المدينة فأتاني عبد الله بن عمر، فقال: أتدري لم أتيتك؟ قال: قلت لا، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه بعده، وإنه كان بين أبي عمر وبين أبيك إخاء وود، فأحببت أن أصل ذاك"؛ رواه ابن حبان في صحيحه، وفي الحديث: "إن أبر البر: صلة الولد أهل ود أبيه"؛ رواه مسلم.


وأما من جحد فضل سبب وجوده في الحياة، فلم يبر والديه، فثم طريق الهلاك:

ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه، قيل من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة"؛ رواه مسلم، ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة إلا أنه قال فيه: "ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما، فمات فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين".

وقد أعظم الله عقوبة عقوق الوالدين:

فجعل العقوق ليس من الكبائر فحسب، وإنما من أكبر الكبائر، ففي الحديث الصحيح عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئًا فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت"؛ رواه البخاري ومسلم، وعن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، والذي نفسي بيده لا يحلف رجل على مثل جناح بعوضة إلا كانت كيًّا في قلبه يوم القيامة"؛ رواه الترمذي.

وقد حرَّم الله الجنة على العاق: فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة حرَّم الله تبارك وتعالى عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاقُّ، والديوث الذي يقر الخبث في أهله"؛ رواه أحمد، وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاقّ لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان عطاءه، وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، والرجلة"؛ رواه النسائي.


وجعل صاحبه ممن لا يقبل الله منهم عملًا: فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يقبل الله عز وجل منهم صرفًا ولا عدلًا: عاق، ولا منان، ومكذب بقدر"؛ رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة بإسناد حسن.


وجعله من الملعونين المطرودين من رحمة الله جل جلاله، فقال صلى الله عليه وسلم: "ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من ذبح لغير الله، ملعون من عقَّ والديه"؛ رواه الطبراني.


وبلغ من حرصه على ألا يؤذي ولد والديه أن جعل من العقوق، حتى أن يتسبب لهما في الأذى والشتم وإن لم يصدر منه لهما، ففي الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه"؛ رواه البخاري ومسلم.


فاللهم أعنا وإياكم على حسن بر والدينا الحي منهم ومن مات، اللهم آمين.



هيام محمود 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فضائل وخصائص شهر رمضان

رمضان أجمل دورة تغيير في حياتك

يا قادما بالتقي في عينك الحب طال