من القربات في رمضان: استحضار النية




من القربات في رمضان:

استحضار النية


النية هي أساس العمل وأساس القبول، وهي التي نحاسب على أساسها، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما الأعمال بالنية وفي رواية بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه"؛ رواه البخاري ومسلم.

 

فإذا صلحت النية صلح العمل، وإذا فسدت النية فسد العمل، وضاع أجره وثوابه، ففي صحيح الألباني عن الضحاك بن قيس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تبارك وتعالى يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكًا فهو لشريكي، يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم؛ فإن الله تبارك وتعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له، ولا تقولوا: هذه لله وللرحم، فإنها للرحم وليس لله منها شيء، ولا تقولوا: هذه لله ولوجوهكم، فإنها لوجوهكم وليس لله منها شيء"؛ رواه البزار.

 

فكل ما في الدنيا سيصير هباءً منثورًا، إلا ما أخلصناه لله وابتغينا به وجهه جل وعلا، عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ما ابتغي به وجه الله تعالى"؛ رواه الطبراني.

 

فإن أصلحنا نياتنا صلحت أعمالنا وربَت، وإن خلطنا النية ذهب العمل.

 

والنية تعمل بمفردها كعمل مستقل:

فسوق الحسنات منصوب بداية من النية، وهو سوق كل ما لله فيه رابح؛ لأنك بمجرد أن تنوي الحسنة تؤجر عليها حسنة كاملة، فعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فيما يروي عن ربه عز وجل: "إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيَّن ذلك في كتابه، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هو همَّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة"، وزاد في رواية: "أو محاها ولا يهلك على الله إلا هالك"؛ رواه البخاري ومسلم.

 

فيمكنك إذن أن تتاجر مع الله بنيتك:

فإن نويت أن تقوم الليل، ثم لم تستيقظ كتب الله لك أجر ليلتك تلك، فعن أبي الدرداء يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل، فغلبته عيناه حتى أصبح، كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه"؛ رواه النسائي وابن ماجه، وإن لم تكن تمتلك المال ونويت أن لو كنت تملِكه لتصدقت، لنلت أجر الصدقة من دون إنفاق، ففي الحديث عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا، فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا،فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا يخبط في ماله بغير علم، ولا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فوزرهما سواء"؛ رواه أحمد والترمذي واللفظ له، وقال: حديث حسن صحيح.

 

فأي فضل أعظم من ذلك؟ وأي سوق أربح من ذلك السوق الذي قد تبلغ به ثواب صائم قائم متصدق مجاهد داعٍ وأنت تفكر فقط على فراشك، فيا له والله من سوق! لكن شرطه الوحيد هو الصدق في نيتك، فالصدق هو الأساس، وفي الحديث الصحيح عن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه"؛ رواه مسلم.

 

وحتى لو حبسك المرض أو العذر عن عمل صالح وأنت تتمنَّى أن تعمله لنلت أجره، ففي الحديث الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إن أقوامًا خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبًا ولا واديًا إلا وهم معنا، حبسهم العذر"؛ رواه البخاري وأبو داود، ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سرتُم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد، إلا وهم معكم، قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: حبسهم المرض".

 

واحذر نزعات الشيطان في العمل لئلا تفقده:

فكما أن النيات الحسنة منجية وسوق حسناتها رائج، وعاقبتها خير دومًا، فإن النيات السيئة مهلكة وعاقبة شركها شرًّا محضًا، فعن محمود بن لبيد قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا أيها الناس، إياكم وشرك السرائر، قالوا: يا رسول الله وما شرك السرائر؟ قال: يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته جاهدًا لما يرى من نظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر"؛ رواه ابن خزيمة في صحيحه، وعن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله عز وجل إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء"؛ رواه أحمد بإسناد جيد، وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل لي عملًا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك"؛ رواه ابن ماجه، وفي الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سمَّع الناس بعمله، سمَّع الله به مسامع خلقه، وصغَّره وحقَّره"؛ رواه الطبراني، وفي الحديث الصحيح عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سمَّع سمَّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به"؛ رواه البخاري ومسلم، وعن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من عبد يقوم في الدنيا مقام سمعة ورياء، إلا سمع الله به على رؤوس الخلائق يوم القيامة"؛ رواه الطبراني.

 

ومن خير ما يحميك من تلك الذلة أمران: أولهما الدعاء، فقد روى البخاري في الأدب المفرد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر رضي الله عنه: "والذي نفسي بيده للشرك أخفى من دبيب النمل، ألا أدلك على شيء إذا قلته ذهب عنك قليله وكثيره؟ قال: قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم"، وصححه الألباني في الأدب المفرد.

 

وأما ثانيهما، فالنظر للدنيا وللناس وللعاقبة بعين ثاقبة، فالدنيا أقل وأحقر من أن تضيع لأجلها عملك وآخرتك، والناس أهون شأنًا من أن تهبهم أعمالك، فتفقدها أحوج ما تكون إليها، فإنما هم تراب يمشي فوق التراب، ثم يبتلعه التراب، وأما العاقبة فهي المصير الذي سوف نتجه إليه شئنا أم أبينا، فإن أردنا أن نرى تلك الأعمال الصالحة التي عملناها هناك، ونحصل على أجرها ليكون سببًا في نجاتنا، فما علينا سوى أن نخرج من حساباتنا أي شيء آخر عدا ربنا جل جلاله، اللهم اجعلنا وإياكم من المخلصين المقبولين.

 

ومن أجمل ما تشغل به قلبك أن تجعل الآخرة نيتك وهم قلبك وشغل فكرك:

وحينها تتحول حياتك بأكملها للأفضل، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له"؛ رواه الترمذي، وعن ابن مسعود قال: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: "من جعل الهموم همًّا واحدًا همَّ المعاد، كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم أحوال الدنيا، لم يبال الله عز وجل في أي أوديته هلك"؛ رواه ابن ماجه.


بقلم : هيام محمود


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فضائل وخصائص شهر رمضان

رمضان أجمل دورة تغيير في حياتك

يا قادما بالتقي في عينك الحب طال